محمد حسين الذهبي
5
التفسير والمفسرون
[ الجزء الأول ] تقديم الكتاب الحمد للّه الذي أنزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا ، والصلاة والسلام على محمد بن عبد اللّه ، الذي أرسله ربه شاهدا ومبشرا ونذيرا ، وداعيا إلى اللّه بإذنه وسراجا منيرا . وبعد . . . فقد مر على الإنسانية حين من الدهر وهي تتخبط في مهمه من الضلال متسع الأرجاء ، وتسير في غمرة من الأوهام ومضطرب فسيح من فوضى الأخلاق وتنازع الأهواء ، ثم أراد اللّه لهذه الإنسانية المعذبة أن ترقى بروح من أمره وتسعد بوحي السماء ، فأرسل إليها على حين فترة من الرسل رسولا صنعه اللّه على عينه ، واختاره أمينا على وحيه ، فطلع عليها بنوره وهديه ، كما يطلع البدر على المسافر البادى بعد أن افتقده في الليلة الظلماء . ذلك هو محمد بن عبد اللّه - عليه صلاة اللّه وسلامه - نبي الرحمة ، ومبدد الظلمة ، وكاشف الغمة . . . أرسله اللّه إلى هذه الإنسانية الشقية المعذبة ، ليزيل شقوتها ، ويضع عنها إصرها والأغلال التي في أعناقها ، وأنزل عليه كتابا - يهدى به اللّه من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم - وجعل له منه معجزة باهرة ، شاهدة على صدق دعوته . مؤيدة لحقية رسالته ، فكان القرآن هو الهداية والحجة ، هداية الخلق وحجة الرسول . لم يكد هذا القرآن الكريم يقرع آذان القوم حتى وصل إلى قلوبهم ، وتملك عليهم حسهم ومشاعرهم ، ولم يعرض عنه إلا نفر قليل ، إذ كانت على القلوب منهم أقفالها ، ثم لم يلبث أن دخل الناس في دين اللّه أفواجا ، ورفع الإسلام رأيته خفاقة فوق ربوع الكفر ، وأقام المسلمون صرح الحق مشيدا على أنقاض الباطل .